مجموعة مؤلفين
248
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
حسب مفهومها وأغلبها وعد الانسان بالثواب وأوعده بالعقاب ، وأكثرها عرف لونا من الزهد أو جذرا من جذوره ، وأقربها إلى الإسلام زهد السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . وعرفت أطراف الجزيرة العربية قبيل بعثة محمد ( ص ) صوامع ، وأديرة ، انقطع فيها رهبان ونساك للعبادة والقراءة وكان هؤلاء يبشرون بظهور نبيّ تتحدث عنه كتبهم ( الراهب بحيرى ) ويحاول بعض المستشرقين أن يصلوا بين زهد أولئك وزهد مدرسة الإسلام وقد كثرت الآراء والأقوال في ذلك حتى أننا لا نستطيع تفنيدها في هذه العجالة إلا أنّ أمر رفض الاسلام للرهبانية التي ابتدعوها واضح في الآية الكريمة : « ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فمارعوها حق رعايتها » وعلى الرغم من تقدير الرسول الكريم ( ص ) لعلم المؤمنين منهم فانّ حديثه ( لا رهبانية في الإسلام ) مشهور . وما ذلك إلا لأنّ أهلها لم يرعوها حق رعايتها فحولوها إلى هرب من الدنيا وتخلّ عن الواجبات والفرائض وهذا ما سنعود إلى تفصيله . أما فصل الزهد في مدرسة الإمام فهو من صميم مدرسة الإسلام العظمى تابع بالفطرة من عمق إيمان الإمام ( ع ) وتلامذته ، وتطبيع تعاليم القرآن بصدق في حياتهم . وحملهم راية الاسلام عبادة وثورة . فكيف نشأ زهدهم - كان الإمام ( ع ) أعمق المؤمنين صلة بالقرآن الكريم ، فقد عبد اللّه مع النبي ( ص ) قبل أن يعبده أحد وسمع القرآن قبل أن يسمعه أحد : « كنت اسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا » ( 12 ) وهو بعد غض الإهاب ، مرهف القلب ، متوقد الفكر ، مرهف المشاعر فنزل القرآن على قلبه نزول المداد على الرقعة البيضاء - نزلت السور القرآنية ببيان ساحر ووصف مؤثر فحقرت من شأن الدنيا أبلغ تحقير وعظمت شأن الآخرة بحاليها جحيما ونعيما . فإذا صور جهنم مرعبة ينخلع لها القلب ، وترتعد الفرائض وتصفّر الوجوه . وإذا صور الجنة أخاذه رائعة بين سعادة روحية ونعيم بدنيّ ، ينشرح لها الصدر ، ونحن النفس وينحفر الضمير إلى الثواب ، حتى لتغدو النفس البشرية وكأنها زجاجة صافية ما فيها إلا إشراقه العقل ووجيب القلب .
--> ( 12 ) شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 5